تراثيات.. حمامات الموصل في العصور الحديثة PDF طباعة إرسال إلى صديق
الكاتب أ.د. ابراهيم خليل العلاف*   
الخميس, 04 مارس 2010 17:25

               

                                           المتحف البغدادي

    

                                              

                               أ.د. أبراهيم خليل العلاف

     

يرتبط انشاء الحمامات العامة وتطورها في المدن العربية والاسلامية ومنها مدينة الموصل بأمرين اثنين اولهما شروط الطهارة الواجبة في الدين الاسلامي.

وثانيهما الوعي الواضح والاستجابة الحقيقية للحاجات الحضرية .. ومن الطبيعي فان تشييد الحمامات ، تعد عملية يتضح فيها اكثر مما يتضح في مؤسسات اخرى ، الاهتمام بالمصالح العامة للمواطنين (1) .

لهذا فقد كان هناك العديد من الحمامات التي شيدت كمؤسسات وقفية ، شأنها في ذلك شأن المدارس ، والمساجد ، والجوامع ، والتكايا ، والسبيلخانات .

وتتوفر لدينا العديد من الحجج الوقفية التي تشير الى قيام الاثرياء ، وابناء البيوتات المعروفة بانشاء الحمامات التي كان بعضها يقع بالقرب من الجوامع والمساجـد والخانات والاسواق .

وتذكر المصادر المتداولة ان الموصل كانت تضم قبل سقوطها على يد المغول سنة 1260م (200) حمام للرجال و(200) حمام للنساء و(10) حمامات خاصة بالبنات الابكار.

وقد عرف الموصليون باهتمامهم بالنظافة الى حد الهوس، كما حرصوا عبر تاريخهم على نظافة مدينتهم وتنسيقها والمحافظة على صحتهم وسلامة اجسامهم. هذا فضلا عن عنايتهم بدورهم الخاصة، وقد جاء ذلك، كما يقول الاستاذ سعيد الديو ه جي، وهو مؤرخ موصلي معاصر معروف ، نتيجة لما تتمتع به الموصل من طقس جميل، ووفرة في الغذاء، مع رخص في الاسعار .

وكان لموقع الموصل الجغرافي بين اقاليم متباينة جبلية وسهلية وصحراوية دور كبير في النشاط التجاري المتزايد وتدفق الثروة على سكانها .. ولاننسى انها تسمى ، لاعتدال مناخها وطيب هوائها وعذوبة مياهها ،( مدينة ام الربيعين). ويشير نيقولا سيوفي في كتابه: ((مجموع الكتابات المحررة على ابنية الموصل)) ان الموصل كانت تعج في العهد العثماني بالحمامات العامة ومعظمها موقوف على الجوامع والمساجد ويضرب على ذلك مثلا وهو ان من اوقاف جامع الباشا التي اوقفها محمد امين باشا الجليلي حمام شهيرة تعرف بحمام القمريةوالتي عرفت فيما بعد بحمام العطارين لانها تقع داخل سوق العطارين الشهير في الموصل .

      

ويذكر المؤرخ الموصلي محمد امين العمري في الجزء الاول من كتابه ((منهل الاولياء)) (4) ان عدد الحمامات في الموصل اواخر القرن الثامن عشركان (20) حماما عاما ، اما الرحالة البريطاني جيمس بكنكهام الذي زار الموصل سنة 1820 فيذكر بان عدد حمامات الموصل يقدر بنحو (30) حماما .

وقد اشار الرحالة هود وقد زار الموصل في الفترة ذاتها (1817) بحمامات الموصل وقال ان حمامات الموصل تعد من ((أحسن ما رأيت فاغلبها مغطى بالرخام ، وهي في غاية اللطف والنظافة )) (5) وكان نيبور الذي زار الموصل سنة 1766 قد انتبه للملاحظة نفسها فاشار الى ان القسم الاعظم من حمامات الموصل ((جميل وخلاب)). (6) وقد جاء في سالنامة الموصل (الكتاب السنوي الذي تصدره سلطات ولاية الموصل )لسنة 1892 الى ان في مدينة الموصل وحدها (36 )حماما للرجال وللنساء .

اما سالنامة الموصل لسنة 1325 للهجرة 1907 للميلاد فاوردت معلومة تفيد بان في مدينة الموصل انذاك (17 ) حماما. وقد احصى الاستاذ عبد الجبار محمد جرجيس، وهو باحث في تراث الموصل، في مقالته الموسومة :((الحمامات الشعبية في الموصل)) عدد حمامات الموصل في العصور العثمانية المتاخرة ومطالع القرن العشرين فوجد انها (30 ) حماما (7) ،لعل من ابرزها حمام قره علي( 8)، وحمام عبيد أغا (9) ، وحمام السراي (10) ، وحمام الشيخ عمر (11) ، وحمام القشلة (12) ، وحمام العطارين (13) ، وحمام القلعة (14) ، وحمام المنقوشة (15) ، وحمام باب لكش (16) ، وحمام العمرية (17) ، وحمام باب البيض (18) وحمام الخاتونية (19) وحمام العكيدات (20) ، وحمام دكة بركة (21) ، وحمام الاحمدية (22) ، وحمام التك (23) ، وحمام يونس (24) ، وحمام العلا (25) ، وحمام الزوية (26) ، وحمام زرياب (27) ، وحمام آل حديد (28) وحمام الوداي (29) ، وحمام الصالحية (30). وقد هدمت، للاسف الشديد ، معظم هذه الحمامات وانشأت على انقاض بعضها بنايات وحمامات حديثة لاتمت الى الحمامات السابقة بصلة .

     

والملاحظ ان كثرة حمامات مدينة الموصل في العصر العثماني ، ترجع الى كونها مدينة تجارية يؤمها عدد كبير من التجار والرحالة الذين يحتاجون الى ارتيادها بعد اشهر طويلة من السفر في الطرق المعفرة .

وفي مدينة لم يكن تعداد نفوسها يزيد آنذاك على الـ 300000 الف نسمة، فان عدد الحمامات يبدو مناسبا اذ ان هناك حمام واحدة لكل 10 آلاف نسمة .

وبشأن التركيب الداخلي للحمام الموصلي (30) ، فانه لايختلف عن ما كانت عليه الحمامات الاخرى، ومنها حمامات القاهرة، ودمشق، وحلب ، فالحمامات عادة ما تبنى في مكان منخفض من الارض ولعل من اسباب ذلك هو الرغبة في المحافظة على حرارة المياه عند تسخينها في مكان يسمى ( البيدر الحار)أو العنبار وهي كلمة تركية تعني الخزان. وقد اشار نيقولا سيوفي في كتابه مجموع الكتابات المحررة في ابنية مدينة الموصل ان مسجد المعاضيد في الموصل كان يسمى كذلك جامع العنبار لانه يقابل عنبار الحمام التي كانت تسمى (حمام الجويجاتي )) ولم يكن لها اثر في الخمسينات من القرن الماضي ومعنى هذا انها اندثرت وازيلت .

والعنبار او البيدر الحار هو قدر كبير تنساب منه المياه الى الاحواض الموجودة داخل الحمام بواسطة الانابيب، وتسد الفتحات بقطع من الخشب اسطوانية الشكل ثم استبدلت هذه القطع بعد ذلك بالحنفيات. أما الماء البارد فيأتي من (البيدر البارد) ويوزع في الاحواض بالطريقة ذاتها .

أما تصميم بناية الحمام فيكون مؤلفا من خمسة اقسام هي : (المدخل الرئيسي) , و (المشلح ويسمى في الشام بالقسم البراني)ثم ( منطقة ما بين البابين أي الوسطاني) و (الرواق (المستحم) أي (الجواني) ، وغرفة الدوا (غرفة الشعر) ، وهناك الى جانب ذلك الحجر الحارة والدائغ. ويجلس عند مقربة من المدخل الرئيسي صاحب الحمام ( الحمام جي) او وكيله ( الخلفة) .

       

أما (المشلح) فهو المكان المخصص لنزع الملابس الخاصة بالزبون . ,أما منطقة ما بين البابين فهي عبارة عن حجرة تقع ما بين الباب الذي يؤدي الى الحمام والباب الذي يتصل بالمشلح. وفي داخل الحمام توجد مجموعة من الاروقة المتصلة من الاعلى بقبة، وتضم مواضع الاستحمام. وفي كل رواق حوض للماء فيه سبيلان أو حنفيتان احداهما للماء الحار والاخرى للبارد .

ومعظم حمامات الموصل تحتوي على 4 ـ 5 اروقة . أما (غرفة الدوا) فهي غرفة صغيرة يقوم المستحم فيها بازالة الشعر من مناطق معينة من جسمه باستخدام مادتي النورة والزرنيخ .وهناك قطعة من الحجر الحارة وغالبا ما تكون من رخام الموصل المعروف بـ (الحلان) تتوسط الحمام وهي مبنية على انابيب الماء الحار لذلك فهي حارة جدا يجلس عليها المستحم ليتصبب عرقا ويتخلص مما يعانيه من اوجاع المفاصل والروماتيزم . وحول هذه الحجر الحارة، ثمة قطعة اخرى من المادة نفسها تأخذ شكل دائرة يجلس عليها المستحمون لاغراض التدليك وهي ،كما سبق ان اشرنا تسمى الدائغ .

ويعمل في الحمامات الموصلية عدد من الاشخاص ، ففضلا عن (الحمامجي) (32) هناك (الخلفة) (33) أي المساعد و (الوقاد) ويسمى (الكرخان جي) (34) والدلاك(المدلك) (35) و(الدوشم جي) (36) أي الذي يجلب المناشف للزبائن بعد الانتهاء من الاستحمام .

        

وعادة ما يجاور حمامات الرجال حمامات اخرى ملاصقة مخصصة للنساء ، وتقوم غالبا بادارة هذه الحمامات أم أواخت أو زوجة صاحب الحمام وتسمى (القيمة) (37) أي القائمة على شؤون الحمام. وتضطلع بمهمة مساعدة النساء المستحمات ، امرأة كبيرة في السن تدعي ( الغسالي) (38) ولكل عائلة غسالة خاصة بها تتلقى راتبا شهريا قد يكون في بعض الاحيان نقديا وقد يكون بشكل مؤن وما شاكل .. وهناك من تقوم بتسليم النساء الازر( الفوطة ) قبل دخولهن الحمام. هذا الى جانب ( نقالة البقج) (39) التي تنقل مستلزمات النساء من المناشف والصابون والكيس والمعدسي والحكاكي والطاسة والمقعد والقبقاب من الدور السكنية الى الحمام، وفي اوقات معينة من الاسبوع ولقاء مبالغ مالية محددة .

وعادة ما تستخدم الحمامات كمكان لاجراء احتفالات الولادة والزفاف .. ويتم ذلك بطقوس معروفة اعتادها النسوة، وتترافق هذه الاحتفالات مع الغناء والتصفيق. وفي حالات الزفاف بحتفل اصدقاء العريس به داخل الحمام كذلك .. وتتردد اغاني فولكلورية جميلة استبشارا بهذه المناسبة فالمدعوات وصديقات العروس يؤكدن بان العروس جميلة وطيبة وغنية وتستحق كل خير (40) .

ومما كان يردده النسوة في الاحتفالات المقامة في الحمامات ليلة الزفاف :
التشلحوا مالا
والتلبسوا مالا
وأبوها تاجر حلب
جياب الحمالا

كما يتم الاحتفالات بالام بعد سبعة ايام من الولادة داخل الحمام وتسمى المرأة عندئذ بـ( الامفيس) .

أما المناسبة فيطلق عليها ( حمام السبعة) . وللذهاب الى الحمامات عادات وطقوس لابد من مراعاتها وكثيرا ما توزع المأكولات في الحمام ويشرب الجميع الشاي ثم يقفلون راجعين الى بيوتهم بعد صلاة العصر (41) .

ويحرص المستحمون سواء كانوا من الرجال او النساء على استعمال اواني ومستلزمات ومناشف خاصة بهم عند ذهابهم الى الحمام ونادرا ما يلجأون الى ادارة الحمام لتلبية احتياجاتهم .

                    

ولا يعني وجود الحمامات العامة خلو الدور وخاصة دور الاغنياء والمسؤولين في الحكومة من الحمامات الخاصة ، الا ان الناس كثيرا ما اعتادوا آنذاك الاستحمام بالحمامات العامة لانها ، برأيهم ، اكثر فائدة للانسان لسخونة ماءها، وللاجواء الاجتماعية الجميلة التي ترافق عملية الاستحمام. وقد ادركنا منذ اواخر الاربعينات من القرن الماضي بعض العادات ، فالنسوة على سبيل المثال كن يقضين ساعات النهار كلها في الحمام ، ويتكرر ذلك لكل اسبوع ، ومن المؤكد ان وجود الحمامات العامة وارتيادها من الرجال والنساء يدل على مستوى متقدم من الوعي بأهمية النظافة ، خاصة وان الذهاب الى الحمام يترافق مع غسل الملابس والاواني والفرش المستخدمة في الحياة اليومية . ومهما يكن من أمر فان الحمامات العامة، قد اخذت بالاندثار بعد انشاء الدور والفنادق الحديثة التي تعد الحمام فيها من اهم المرافق التي يهتم بها الناس .

     

 مركز الدراسات الاقليمية – جامعة الموصل – العراق

          

حمدان : ألأستاذ الدكتور / أبراهيم خليل العلاف.. أطال الباري في عمركم وأعطاكم الصحة والعافية أنشاءالله تعالى.. أنتم مفخرة لكل العراقيين..

Comments
أضف جديد بحث
علق
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
الموقع الالكتروني:
العنوان:
كود UBB:
[b] [i] [u] [url] [quote] [code] [img] 
 
 
:angry::0:confused::cheer:B):evil::silly::dry::lol::kiss::D:pinch:
:(:shock::X:side::):P:unsure::woohoo::huh::whistle:;):s
:!::?::idea::arrow:
 
Please input the anti-spam code that you can read in the image.

3.26 Copyright (C) 2008 Compojoom.com / Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."

آخر تحديث: الخميس, 04 مارس 2010 17:29
 

أحدث الفيديوهات