|
  إن ما يجري في العراق اليوم لا يعدو كونه حصادا طبيعيا ومتوقعا لما زرعه فريقان من السياسيين العراقيين، قبل نصف قرن من الزمان. ويعرف أغلب العراقيين تفاصيل الحكاية. فقد ولدت حركة الضباط الأحرار بقائدين. وكان لابد لهذه الولادة غير السليمة أن تقود إلى صراع على الزعامة بينهما، بعد نجاحهما في الإطاحة بالنظام الملكي عام 1958. فلم تمض سوى أسابيع قليلة من تسلم عبدالكريم قاسم وعبد السلام عارف القيادة حتى دب الخلاف بينهما، ثم تحول بسرعة إلى معارك طاحنة سالت خلالها دماء عراقية غزيرة، وما زالت تسيل، وستبقى تسيل إلى زمن طويل قادم.  ألأخوة ألأعداء .. هل يجوز وجود زعيمان في آن واحد؟؟؟ ورغم أنها كانت معارك شخصية بين زعيمين، وكان يمكن إطفاؤها لو قام أصحاب النوايا الخيرة باالوساطة بينهما وقبول أحدهما بدور القائد الثاني أو بانسحابه من السلطة وترك الساحة لرفيقه الأقوى، مثلما حدث في أكثر من بلد وفي أكثر من زمان. لكن المتصيدين في المياه الآسنة تسللوا إلى ساحة المعركة، وتحزب فريق منهم لعبد الكريم، بحجة رفض الوحدة الفورية مع عبد الناصر والمطالبة بالاتحاد الفيدرالي، وتحزب الآخر لعبد السلام باسم القومية العربية والوحدة مع عبد الناصر. وقد ثبت فيما بعد أن كليهما لم يكونا صادقين في دعواهما. فلا الأول يريد الوحدة الفورية مع جمال عبد الناصر ولا الثاني يريد الاتحاد، حتى بأبسط أشكاله وأخفها وأكثرها عرضة للموت السريع، وأن كل المعارك التي خاضها الطرفان كانت معارك حزبية ضيقة لا علاقة لها بالوطن ولا بالمواطن، لا من قريب ولا من بعيد. وأغلب أهدافها كانت حزبية وشخصية وطائفية وعنصرية، الأمر الذي أحرق الوطن كله، وحوله إلى ساحة واسعة لحروبهما التي ألبسوها لباس الشعبية والديمقراطية والقومية والطائفية لتمتد عشرات السنين. وكان طبيعيا أن تهتبل دول الجوار والقوى الإقليمية والدولية تلك الفرصة السانحة، فيتبنى كل فريق دولي وإقليمي جماعة من العراقيين، ليخوض، نيابة عنه، معارك تصفية حساب مع فريق دولي الآخر، على الأرض العراقية وبالدمو العراقي المجاني الرخيص. وتشاء الظروف السيئة أن يقود فريق الاتحاديين أقوى أحزاب اليسار العراقي وهو الحزب الشيوعي العراقي، بقياداته الكردية، ثم تنضوي تحت جناحيه قوى وأحزاب تدعي اليسار والديمقراطية، مدعومة وممولة من الاتحاد السوفيتي وإيران، يجمعها ويوحد جهدها كره العرب والعروبة وعبد الناصر وأمريكا وبريطانيا.  مظاهرات مستمرة من قبل الشيوعيون.. لاحظوا شعارات المقاومة الشعبية!! في حين تصدى لقيادة الطرف المقابل حزب البعث، بقيادته المراهقة غير الناضجة. فقد كانت أعمار جميع قادته لا تتجاوز العشرين والخامسة والعشرين، ثم تنضوي تحت جناحيه كل الأحزاب والعناصر والشخصيات المعادية للشيوعية وللاتحاد السوفيتي، ومنها وفي مقدمتها أحزاب طائفية سنية وعنصرية عربية وإقطاعيون ورجعيون وعملاء يعملون مباشرة مع دول استعمارية إمبريالية مثل أمريكا وبريطانيا. وبين هؤلاء وأؤلئك تجمهر الانتهازيون وطلاب المنافع العاجلة وركاب الموجات الطارئة، ليصبح العراق ساحة اقتتال طائفي وقومي وإيدلوجي وعشائري لم ينته بسنة أو سنتين ولا بعشرين، وما زال يدور وسيظل يدور إلى ما لا نهاية. ويغضب زملاؤنا الشيوعيون العراقيون حين نقول لهم إنهم أول من دشن الاعتقال الكيفي والقتل على الشبهة والهوية والإشاعة، وإنهم فتحوا صدورهم للرعاع والانتهازيين وأصحاب الأحقاد العنصرية والطائفية، بقصد أو دون قصد، حتى أنهم عجزوا في مرحلة من مراحل العنف الدموي الذي أرسوا قواعده في العراق عن ضبط اندفاع الرعاع الطفيليين والتحكم بتوجهاتهم وجرائمهم. وبلغ العنف السياسي العراقي ذروته في الموصل وكركوك عام 1959 في أعقاب تمرد الشواف، الأمر الذي دفع بالزعيم نفسه، وهو الذي هبوا لنصرته والدفاع عن زعامته (الديمقراطية)، إلى إعلان براءته منهم ومن أفعالهم، والبدء بمحاكمة الكثيرين من أبطاله وجماهيره. (ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة)، ( ماكو زعيم إلا كريم كواويد بعثية). وبتقديري فإن الشيوعيين العراقيين هم أساتذة البعثيين في القسوة والعنف الدموي ومعلموهم الأوائل. لكن التلاميذ أثبتوا أنهم أكثر أستاذية وأكثر قسوة.
 المنجل والمطرقة في كل مكان !! إن تلك الأيام وما رافقها من أحداث دامية بحاجة إلى مؤرخين محايدين يوثقون تفاصيلها ويبحثون عن حقيقة دوافعها ومحركيها وموجهيها والمستفيدين منه. ولعل أكثر المطلوب من الحزبين، أو مما بقي منهما، الشيوعي العراقي والبعث غير الصدامي، أن يبادروا إلى الاعتذار للشعب العراقي عن تلك الأيام السوداء التي أغرقوا بها الوطن، وأن يكشفوا عن حقيقة دوافع قادتهما لإشعال الفتنة وإشاعة فنون العنف الدموي تحت شعارات نبيلة ومباديء وأهداف وطنية سامية شوهوا مذاقها وأفسدوا معانيها الحقيقية. وبدل أن يظل البعثيون يجاهرون بالشهوة الدموية ويقاتلون من أجل العودة إلى أيام الحكم الديكتاتوري وعهود السطوة المطلقة والقتل والحرق والتجليس على الخوازيق أدعوهم إلى إعلان التوبة والأسف والاعتذار وتغيير اسم حزبهم والانخراط في النضال السلمي الديمقراطي المتحضر لتعويض شعبنا المسكين عن أيام القهر السابقة. كما أدعو، بالمقابل، ما تبقى من الحزب الشيوعي بقياداته الحالية، إلى نقد الذات والاعتراف بأخطاء الماضي، والاعتذار للشعب العراقي عما ألحقوه به من عذاب في سنوات الصراع العبثي غير المبرر الذي خاضوه من أجل انتزاع السلطة وفرض ديكتاتورية البروليتاريا (سبع ملايين تريد حزب الشيوعي بالحكم). وفوق أن هذا الاعتذار المتبادل من العقائديين البعثيين والشيوعيين كفيل باحترام الشعب العراقي وعرفانه فإن اعتذارا من هذا النوع كفيل أيضا بتوجيه صفعة حازمة وحاسمة لأؤلئك الانتهازيين من تجار الطائفية والعنصرية الذين استغلوا صراع الحزبين فتسللوا تحت ألسنة النيران ودخانها ليسرقوا وينكلوا بالآخرين ممن يرون فيهم أعداء لا شركاء في وطن واحد. ومعروف تماما لكلا الحزبين، البعث والشيوعي من أقصد ولماذا؟ فقد آن أن يستعيد العقائديون المتحضرون والمثقفون والمجربون من الشيوعيين والبعثيين معا جبهتهم الوطنية العاقلة، وأن يتصدروا الصفوف، ويواجهوا جحافل الظلام والجهل واللصوصية، ويوقفوا مسلسل الانهيار الخلقي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يرزح تحت وطئته العراق اليوم بسبب فراغ الساحة من فرسانها الحقيقيين أصحاب الكفاءة والخبرة والوطنية الصادقة. بهذا وحده، باعتذار الشيوعيين والبعثيين، وعودة اللحمة إلى جبهة الديمقراطيين العراقيين الحقيقيين، نضع نهاية سعيدة ومشرفة لحرب غبية دامت عشرات من السنين، وقد تدوم عشرات أخرى دامية. فهل يفعلها رفاقنا الشيوعيون والبعثيون وباقي الديمقراطيين الحقيقيين فيكفروا عن ذنوب تاريخ طويل من الدم والدموع؟؟؟ وحين يحل علينا الرابع عشر من رمضان الحالي يتوجب علينا أن نتذكر ما حدث في بغداد في مثل هذا اليوم قبل ستة وأربعين عاما. كنت بعثيا هامشيا بمرتبة (نصير) ويقيت بمرتبة (نصير)إلى أن خرجت من الحزب بعد انقلاب عبد السلام عارف على الحرس القومي فيما أسماه البعثيون يومها بردة تشرين 1963، باشتراك بعثيين أيضا، مثل حردان التكريتي وصدام حسين وعدنان خيرا الله وآخرين. كان مدير الإذاعة يومها المرحوم عبد الرحمن فوزي ( أبو عدي). ولمن لا يعرفه أقول إنه مثقف وذكي ومخلص في عمله إلى أبعد الحدود، لكنه كان حريصا جدا على أداء واجبه الإداري ولكن دون توريط نفسه في أي موقف سياسي قد يحسب عليه من أطراف أخرى لا تحب الزعيم وتعارضه، مثل البعثيين والقوميين والاسلاميين والأكراد. وكان أبو عدي يتفانى في إرضاء مسؤوله الأعلى، ولكن بحذر شديد. فحين يتلقى التعليمات كان يصدر لنا أوامر التنفيذ ولكن بعد أن يلحقها بعبارة (حسب الأوامر العليا)، لئلا تبدو وكأنها صادرة منه شخصيا.
 بقيادته المراهقة غير الناضجة. فقد كانت أعمار جميع قادته لا تتجاوز العشرين والخامسة والعشرين كنا، زميلي عبد اللطيف السعدون وأنا، مذيعين صغيرين. وكان يعرف مديرنا أبو عدي يعرف أننا بعثيان، وكان يتوقع انقلابا بعثيا وشيكا. طلبنا ذات يوم إلى مكتبه، وفاجأنا بنهوضه مسرعا إلى الباب فأغلقه، وهمس لنا وكأنه يخشى أن يسمعه أحد:
أرجوكما أن تخبراني، ولو بالإشارة العابرة وسأفهمها، بموعد الانقلاب قبل يوم واحد على الأقل، لئلا أكون في الإذاعة ذلك اليوم. ضحك زميلي عبد اللطيف السعدون ساخرا من هذا الطلب المستغرب، لكن أبا عدي اعتبر ضحكة السعدون تأكيدا لمعرفته بقرب حدوث الانقلاب المتوقع. كان هذا يوم الخميس، الثالث عشر من رمضان، السابع من شباط. وتشاء المصادفات العجيبة أن يحدث الانقلاب في اليوم التالي أي يوم الجمعة الرابع عشر من رمضان الثامن من شباط. عاتبنا أبو عدي عتابا شديدا واتهمنا بالنذالة لأننا لم نحذره، ولم نجنبه مخاطر المجيء إلى الإذاعة في ذلك اليوم وملاقات الانقلابيين والعمل على تنفيذ أوامرهم وتعليماتهم. فقد كان ما يخشاه أبو عدي أن يحدث تحرك عسكري مضاد من قوات الزعيم فتقصف الإذاعة ويكون هو فيها، وقد يفشل الانقلاب فيحاسب هو على اشتراكه في خدمة الانقلابيين. كان الانقلابيون قد أعلنوا منع التجول. وحين أردت التوجه من منزلنا في الجعيفر إلى الإذاعة لم أجد وسيلة نقل متاحة. وصادف مرور سيارة عسكرية (جيب) فأوقفتها، وقدمت نفسي للضابط الذي كان يجلس في مقدمتها إلى جانب الجندي سائقها، وعرفته بمهنتي ورغبتي في الالتحاق بعملي في الصالحية . لم يوافق فقط، بل تحمس جدا وأجلسني إلى جانبه وهو يهنؤني بالنجاح المؤكد للانقلاب ويؤكد لي أنني سأكون مهما في الحكومة القادمة. كان برتبة نقيب ويعمل في معسكر الوشاش. وبقي مرابطا أمام دار الإذاعة منتظرا أن أكلفه بأية خدمة، وإلى ساعة متأخرة من الليل. كان واحدا من الموهوبين في ركوب الموجات الطارئة. لم نصادف ومحن في طريقنا إلى الصالحية أية قطعات عسكرية، لكننا كنا نمر بحواجز مدنية أقامها مسلحون مدنيون، وكانوا يحيون النقيب ثابت ويهنئونه بالنجاح، وهو سعيد جدا بذلك، ويرد عليهم التحية بوقار الزعماء ويعدهم بالخير. 
 أستاذ / أبراهيم الزبيدي .. كلامكم ذهب عيار 24 قيراط.. أتمنى أن يقرأ أرائكم كل القيادات ويفهموا ما هو المطلوب منهم.. خدمة الشعب وبس.. مو الركض وراء المناصب والمال!!.. بس بالعظيم كلهم ماعندهم وقت يقرأون حتى عدد من ألأسطر.. اللهم أحفظ العراق وشعب العراق
|